آخر الأخبار

الغارمات: سجينات صناديق الاقراض في الأردن

نادين النمري

“كان الحصول على قرض لإقامة مشروع صغير المخرجٓ الوحيد للخلاص من الفقر، وكنتُ أعتقد أنني بذلك سأنتشل عائلتي من العوز والحرمان، لكن ما حصل كان العكس تماماً. فقد فشل المشروع وتعثرت في السداد، وسُجنت وحرم أطفالي أمهم ومعيلتهم”. بهذه العبارات تلخّص أم أحمد تجربتها، عندما حاولت تمويل مشروعها التجاري من أحد صناديق دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

تروي أم أحمد قصتها : “تعرّض زوجي لحادث أقعده عن العمل، ولم يعد يستطيع إعالة الأسرة. بعد فترة، سمعت من الجارات عن أحد الصناديق الإقراضية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تقدم قروضاً ميسرة للنساء، بهدف السير في مشاريع تعزيز مشاركتهن الاقتصادية”.

وتضيف: “تقدمت بمشروع إنتاج مطرزات يدوية، فتمت الموافقة، وحصلت على قرض مقداره ألفي دينار. سارت الأمور بشكل جيد خلال الأشهر الثلاثة الأولى. بعد ذلك، تعثر المشروع ولم أعد قادرة على السداد. فرفع صندوق الإقراض دعوى قضائية، وأصدرت المحكمة حكماً بالسجن عليّ مدة عام. السجن كان أسوأ تجربة في حياتي، كنت مكسورة، بعيدة عن أبنائي، ولم تكن ابنتي الصغرى قد بلغت عامها الرابع بعد. ومع استحالة السداد شعرت أن إقامتي في السجن ستطول”.

المتورّطات كثيرات

أم أحمد واحدة من عشرات النساء “الغارمات” اللواتي تورطن في مشاريع إنتاجية مماثلة. فغياب دراسة الجدوى والخبرة والدعم والمساعدة من صناديق الإقراض، قاد إلى فشل مشاريعهن وتعثرهن عن السداد، وبالتالي سجنهن.

حتى شهر يوليو الماضي، كان عدد النساء الموقوفات في السجون الأردنيّة على خلفية قضايا شيكات، أو ما عُرفن بـ”الغارمات”، يقدّر بنحو 50 امرأة. وهذا ما دفع بالناشط علاء البشيتي إلى إطلاق مبادرة مجتمعية تحت عنوان “ما هانت علينا غيبتك”، بهدف جمع مبالغ لتسديد ديون السيدات. وبفضل المبادرة خلت السجون الأردنية من النساء الغارمات.

يقول البشيتي: “أذكر أنني كنت في إحدى الجلسات، وسمعت قصة سيدة سُجنت بسبب عدم قدرتها على سداد قرض لصندوق إقراضي. ودفعتني تلك الحالة إلى تقصي الواقع، الذي بدا لي مؤلماً. حالات كثيرة ومختلفة، من نساء أطلقن مشاريع وفشلت، إلى أخريات تورطن بسداد ديون لأزواجهن، وصولاً إلى حالات أخرى لنساء لم يتمكن من سداد التزامات مالية تتعلق بالسكن أو غير ذلك”.

تواصل البشيتي مع مديرية الأمن العام، وإدارة السجون لمعرفة واقع المشكلة. فأبدى الأمن العام تعاوناً كبيراً مع القضية، ووفر جميع التسهيلات اللازمة. وتبيّن له وجود نحو 400 امرأة موقوفة ومحكومة في السجون، منهن 50 امرأة بسبب قضايا مالية.

مبالغ صغيرة

يشير البشيتي إلى أن هناك نساء سُجِنّ بسبب مبالغ لا تتعدى 200 دولار. ويلفت إلى أنّ سيّدة سجنت لأنها لم تتمكن من سداد ثمن ماكينة الخياطة، وأخرى سجنت بعدما فشل مشروعها في تربية الدواجن. وفي حالات أخرى وصلت قيمة المبالغ إلى 15 ألف دولار.

ويكمل: “بالتعاون مع إذاعة الأمن العام (أمن أف أم)، أطلقنا برنامج “ما هان علينا”. في كل حلقة تعرض قضية امرأة لجمع التبرعات وإخراج السيدة من السجن”. ويوضح: “وضعت شروط محددة، هي ألا تكون هناك قيود أمنية سابقة على السيدة، وأن تكون القضية مالية فقط. وخلال شهر واحد، تمكننا من إخراج جميع النساء التي تنطبق عليهن تلك الشروط من السجن. حصلنا على تبرعات سخية كل حسب قدرته. حتى أن البعض تكفل بمصاريف السيدات بعد خروجهن من السجن”.

ولفت البشيتي إلى أن قضايا الموقوفات لم تقتصر على صناديق الإقراض. فبعض النساء أجبرن من قبل أزواجهن أو أقاربهن الذكور، على التوقيع على شيكات. وفي حالات أخرى كانت النساء عرضة للخديعة والغش من قبل محتالين.

مأساة الأبناء والعائلة

تشكل حالة لمى (اسم مستعار) نموذجاً آخر للنساء الغارمات.ىقضت 4 سنوات في السجن، بعدما وقّعت على عدد من الشيكات لمساعدة زوجها في تخطي الأزمة المالية التي يمر بها.

تقول لمى: “كان وضعنا المالي جيداً. كنت شريكة لزوجي في شركته، لكنها شراكة ورقية فقط، لم أكن أتدخل في شؤون العمل. نتيجة لظروف معينة مُنيت الشركة بخسائر متتالية. كنا ملتزمين مالياً تجاه بنوك وأفراد لم نتمكن من السداد، سجنت أنا وزوجي، وبقي أولادي الثلاثة، الذين كانت تراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً من دون رعاية”.

وتضيف: “فشل ابني الكبير في اجتياز امتحان الثانوية العامة، فترك مقاعد الدراسة كذلك رسب ابني الأوسط، والتحقا بسوق العمل، وواجهت ابنتي الصغرى مشاكل كبيرة في دراستها”. وتتابع: “أجبرت على ترك أبنائي وهم في سن المراهقة، وهي أكثر مرحلة عمرية يحتاج فيها الأبناء إلى من يرشدهم. ضاع مستقبل أبنائي وضاعت عائلتي كلها”.

تمكنت حملة “ما هانت علينا غيبتك” من سداد قيمة الديون المترتبة على لمى، وقيمتها نحو 12 ألف دولار، ورجعت إلى أبنائها، تحاول مساعدتهم للعودة إلى مقاعد الدراسة، لضمان مستقبل أفضل لهم، بينما يستكمل زوجها محكوميته.

قرض للزواج بأخرى

تقول الخبيرة القانونية والناشطة النسوية هالة عاهد: “بدلاً من أن تكون صناديق إقراض المرأة وسيلة لتمكين النساء وتعزيز مشاركتهن الاقتصادية، باتت نقمة”. وتوضح: “تتسابق تلك الصناديق التي تحمل مسميات مختلفة، على تقديم قروض ميسرة لإقامة المشاريع، لكنّها لا توفر الضمانات والدعم الكافي لنجاح المشاريع”. ولفتت إلى أن هذه المشاريع تفتقر غالباً لدراسات الجدوى أو توفير آليات تسويق المنتجات، وحتى المتابعة. وهذا ما يقود في كثير من الحالات إلى فشل تلك المشاريع.

تروي عاهد قصص نساء استفدن من قروض الصناديق، لكن بدلاً من إنشاء المشاريع، استحوذ الأزواج على قيمة القرض لإنفاقه على غايات شخصية، كتحديث المنزل أو شراء سيارة، وحتى في حالات نادرة الزواج بأخرى، وفي النهاية كان مصير المرأة السجن.

وتضيف: “بغض النظر عن مسألة الصناديق الإقراضية، بحسب العهد الدولي لحقوق السياسية والمدنية، فمن غير الجائز احتجاز أي انسان بسبب قضايا تتعلق بالدين الخاص. إن توقيف إنسان لعدم قدرته على سداد دين ليس سوى انتهاك لحقوقه”.

ترى عاهد أن هناك ضرورة ماسة لإعادة النظر في سياسات الصناديق الإقراضية، لتوفر دعماً فنياً وتقنياً لضمان نجاح المشاريع. تتابع: “نسبة الفشل في هذه المشاريع مرتفعة، لذا وجب استيلاد آليات لتقليص نسب الفشل والتوقف عن الملاحقة القانونية للنساء، اللواتي يكنّ غالباً ضحايا”.

About نادين النمري 5 Articles
صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*