آخر الأخبار

الغربة ببساطة

عندما كنت صغيرة وكانت تتردد على مسامعي كلمة الغربة، لم يكن في بداية الأمر لدي أي وعي بما تعنيه هذه الكلمة، وكنت أعتقد بأن ذلك المفهوم مرتبط بالغرابة والاشياء الخارجة عن المألوف، ومن ثم كبرت ولم أكن اعرف لماذا اطيل التفكير كلما سمعت تلك الكلمة، رغم اني لا أعرف معناها ولا فحواها. ومرت السنون وعرفت معنى الغربة المعنى كدلالة لفظية، المعنى الذي تجده بالقاموس اذا ما بحثت عن الكلمة وهو النوى والبعد أو الحدة . إلا أنني لم أكن أستشعر المعنى الحقيقي والذي اسميه أنا ” الشعوري” المرتبط بالشعور والاحساس والكيفية التي يستجيب فيها العقل والقلب والروح إضافة إلى شاشة العرض الدماغية عندما تسمع او تلفظ اي كلمة أو مفردة.

وكنت إذا ما سمعت هذه الكلمة او تلفظ بها أحد أمامي أو على مسامعي أستغرب بل واستهجن ردود الآخرين وعباراتهم ومبالغاتهم حين يعبرون عن مشاعرهم وتجاربهم الوثيقة بهذه الكلمة ، كنت أعتقد أن هناك نوع من المغالاة حين يتكلمون أو يكتبون عن الغربة، وحين يخوضون بعبارات الحنين والذكريات والارتباط والشوق والألم، وبالأخص إذا ما كان أولئك المغتربون يعيشون في بلاد متقدمة -لنقل-  أو مستقرة أو تراعي حقوق الإنسان أو لا تعاني من الفقر والغلاء، أو لا تحارب الفساد لانه غير موجود بالأساس، أو أي بقعة على الأرض لها ميزات ليست موجودة في البلد الذي اعيش به. كوجود الطبيعة الخلابة أو المناخ اللطيف المعتدل، أو نقاء الهواء والبعد عن الملوثات.

ولكن القدر شاء وتغربت، وقبل أن اتغرب كان عملي مرتبط بالسفر الكثير المتكرر، وانا من عشاق السفر والتنقل والترحال. وكنت أحلم دوماً في كل مرة أركب فيها الطائرة بأن أغادر ولا أعود وأن أعيش بأي بقعة اخرى على الأرض، غير تلك التي أعيش عليها  وبالفعل حصل ما تمنيت

ولكن القدر شاء وتغربت، وقبل أن اتغرب كان عملي مرتبط بالسفر الكثير المتكرر، وانا من عشاق السفر والتنقل والترحال. وكنت أحلم دوماً في كل مرة أركب فيها الطائرة بأن أغادر ولا أعود وأن أعيش بأي بقعة اخرى على الأرض، غير تلك التي أعيش عليها  وبالفعل حصل ما تمنيت . لربما لم أتغرب لأعيش في بلاد متقدمة كما كنت أحلم ولكني تغربت. و ها هنا فقط عرفت المعني الحقيقي للغربة، شعرت بكلمات وحروف كل اؤلئك الأشخاص الذي مروا علي في حياتي وتحدثوا أو كتبوا عن الغربة، شعرت بعبراتهم تنزلق على خدودي أنا، والمرارة التي مروا بها في فمي أنا. تجرعت أنفاسهم المختنقة. كانت كلماتهم تصدح في مؤخرة رأسي مدوية تهز القلب وتفطره، وكانت شاشة العرض الدماغي تعرض أشياء لاحصر، لها كلما تذكرت كم مرة سمعت بها تلك الكلمة، وفهمت فقط حينها لماذا كنت أطيل التفكير كلما سمعت الحروف التي تتكون منها تلك الكلمة، تشكل لحناً غريباً في أذني، لربما لانها كانت ستكون جزء من مصيري.

أنا الآن لا أنتظر أن أسمعها فأنا أعيشها كل لحظة أتنفسها داخلة إلى رئتي مع كل نفس، ولكنها لا تخرج تتراكم كل يوم وكل ساعة مع عدد الأنفاس. تنوعت المشاعر المرتبطة بتلك الكلمة وذلك المفهوم من حزن ووحدة ووجع رغم وجود الآلآف الناس من حولي،  ارتبطت احاسيسي بالشوق والحنين لأبسط الاشياء وربما اتفهها، لم يصبح للغربة معنى واحد بل قاموس مصور متعدد اللغات واللهجات. فلا معنى للإبتسامة والضحكات بعيداً عن الأهل والأحبة. حتى الأهل أصبح لهم وللإجتماع بهم وتمضية الوقت معهم معنى آخر، روح أخرى ، كيان أخر عوالم أخرى، فضاءات أخرى. أولئك الذين تجادلت معهم الآلآف المرات. وتخاصمت وتصادمت وربما لعنت الاجتماع بهم أثناء عراكاتي واختلافي معهم. إن الأعياد تختفي دمائها وحيوتها وجمال بسمتها وهم في أرض أخرى. يستنشقون اكسجين آخر. لم تعد الألوان لها نفس الدلالات، لم يعد للسماء رائحة واحدة واصبح التراب ملئ بالشوك والدموع.

ستشتاق حتى لرائحة قهوة والدتك ولو شربت أفضل قهوة بالعالم، فتلك لها مذاق آخر لاتعرف من أين اكتسب نكهته، ستشتاق لصراخ الجيران الذي طالما تذمرت منهم، ستشتاق لحارس العمارة الممل، ستشتاق للشوارع والمحلات والأرصفة واليافطات المعلقة منذ الأزل

حين تكون مغترباً، فإن أشواقك تمتد وتمتد كشجرة اللبلاب، لن يقف شوقك هناك عند الأهل فقط. ستشتاق حتى لرائحة قهوة والدتك ولو شربت أفضل قهوة بالعالم، فتلك لها مذاق آخر لاتعرف من أين اكتسب نكهته، ستشتاق لصراخ الجيران الذي طالما تذمرت منهم، ستشتاق لحارس العمارة الممل، ستشتاق للشوارع والمحلات والأرصفة واليافطات المعلقة منذ الأزل، ستشتاق لزحمة الطرقات والإشارات الضوئية وبعض الشجيرات المغبرة على الجانبين، ستشتاق لبائع الخضروات في الحي الذي طالما استغلك بأسعار اغلى من الواقع، ستشتاق للضجر الذي مزق روحك سنوات بحثاً عن مخرج. والإحباط الذي تغلغل في شرايين تفكيرك، أنت لا تعرف لماذا ومن أي جاء هذا الشوق ولا تجد له تفسيراً.  لماذا أصبح الشوق غولاً يجتاح جسدك وتفكيرك؟ كيف لك أن تشتاق للاشياء التي لم تحبها او تفضلها يوماً لتوافه الأمور ولصغائرها التي لم تكن لتلاحظ وجودها أصلا.  أنت لم تكن تعلم بالاساس أن تلك الأشياء موجودة في أعماقك وجزء منك. تشتاق لأي شيء كان متوفراً ولم يعد كذلك.  حتى ملمس الهواء الغير نقي بالأزقة ورائحة الالوان القاتمة المليئة بذرات التراب والاغبرة. ربما يكون سبب ذلك الحنين والشوق والمشاعر، التعود، الارتباط مع الذكريات، حب الوطن الذي يسكن كريات الدم الحمراء والبيضاء والبرتقالية والخضراء، أو أنه الأمل الذي لا يموت بأن تعود يوماً وقد تغير الحال فوطنك سيحتضنك يوماً ما وسيقدر طموحك وابداعاتك وستلتقط الفرص من هنا وهناك، وستحقق ذاتك وستلقى زادك وزوادك.

إن هناك ميزان يوازن كل شيء في هذه الحياة وضمن سياق موضوعنا هذا فالارض والوطن وحبهما لا يوازيهما في كفة الميزان شيئاً في هذا الكون،

إن هناك ميزان يوازن كل شيء في هذه الحياة وضمن سياق موضوعنا هذا فالارض والوطن وحبهما لا يوازيهما في كفة الميزان شيئاً في هذا الكون، فتبا لبلادنا التي تدفعنا دفعاً للهروب، او التي تجعل منا جثثاً تمشي على الأرض، تقتل أحلامنا وتلوث مصائرنا وتقودنا في طرق لا نعلم لها أرصفة ولا نهايات. من منا يرغب بالعيش بالجنة بعيداً عن الوطن، بالتأكيد : لا أحد . ولكن صراع البقاء وخيبة الأمل والضباب والاحلام الهاربة والطموح الذي ينازع انفاسه الأخيرة والرغبة بالعيش يدفعون بك للترحال والاغتراب لتحيا محملا بالالام والحنين تبحث في أرض غير أرضك تنبش التراب بأظافرك علك تستطيع ان توفر ابسط اساسيات الحياة الكريمة لأبناءك . أما بالنسبة لك فأنت جسد بلا جوف ، آلة بدون مشاعر . تعمل وتكد وتجد حتى تستطيع ان تبعد تلك الخيبات التي اعترتك في وطنك عن أبناءك ، مازلت تحدثهم كل يوم عن حب الوطن والولاء والانتماء عن الكرامة و الكبرياء والفخر بأرضك ويعتصر قلبك في لحظة اعوام ألم، وانت تخبرهم عن ذكريات الطفولة في بلادك وعن اشواقك وحنينك للعودة وتقبيل ذرات الهواء هناك.  وتنفس السماء ذات الألوان الأرجوانية الخلابة. والاحتفال الأسطوري للإنضمام للجذور والبذور والزهور.

أليس هناك حلول وسطية كتلك التي تعلمناها بالمدرسة، لماذا لا يوجد الكثير مما تعلمناه وقرأناه بالكتب على أرض الواقع

وفي النهاية، تراني أقف مع نفسي وقفات أتساءل فيها أي تناقض هذا الذي أحياه، أي تشتت واندثار باللاتركيز. أي توهان هذا باللامنطق المسعور. أليس هناك حلول وسطية كتلك التي تعلمناها بالمدرسة، لماذا لا يوجد الكثير مما تعلمناه وقرأناه بالكتب على أرض الواقع، لماذا يقومون بتربيتنا على عوالم فضائية غير موجودة بالحقيقة. لماذا أصبحت بلادنا سجن يحمل السكين يحارب مستقبلنا  لماذا لم يعد الوطن هو الحضن والملجاُ والأمان؟ لماذا لا يكف المغترب عن عشق الوطن رغم التخلي الجلي عن المعشوق له؟. لماذا لا يكف عن الأمل بالعودة الحتمية رغم العجز الذي احتل أوصاله؟ لماذا لا ينضب ذلك الصراخ الصامت بالاعماق؟  لماذا لا تغادرك الذكريات والاشرطة المرئية التي تعرض على روحك كل يوم مختلطة بصور الواقع المرير ؟  و إلى متى ؟ وإلى أين سنصل ؟  وهل سنصل إلى أي مكان ؟ أسئلة تأكل خلايانا ونحن في الغربة .

 

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*