آخر الأخبار

الهوية

Banksy

استيقظت في أول صباح من عام2015  ولم أكن أشعر بحالة جيدة، إذ أتذكر بأن عام 2014 رحل تاركاً وراءه أحداثاً غير متوقعة، فقررت، وكعادتي، أن أذهب إلى مزار كنيسة تعودت على زيارته كل ما احتجت إلى تصفية ذهني والتفكير في بعض الأمور الدنيوية، حيث ينعم هذا المكان الذي لا تزيد مساحته على 3 متر مربع بسلام وسكينة مميزتان.

قررت، وكعادتي، أن أذهب إلى مزار كنيسة تعودت على زيارته كل ما احتجت إلى تصفية ذهني والتفكير في بعض الأمور الدنيوية

وبينما كنت أسير متجهة إلى المزار، لمحت عددا من أبناء الجالية الفلبينية يتوافدون إلى الكنيسة الرئيسية، التي تقع في منطقة جبل عمان، وهي منطقة يقطنها عدداً لا بأس به من هذه الجالية التي تعمل في مهن زهيدة الأجر في العاصمة عمان.

وعند دخولي إلى المزار كان هنالك بضع سيدات فلبينيات يضوين الشمع ويحركن شفاههن في تلاوة صلوات وطلبات على ما بدا حينها. واستمر المشهد في خروج ودخول إحداهن أو اثنتين منهن إلى أن دخلت سيدة ووقفت قبالة تمثال للسيد المسيح في صمت وتأمل، نسيت وجودها هناك إلى أن سمعت خشخشة قروش في جيبها لثوان معدودة ثم غادرت المكان.

وقفت مشدوهة النظر، أتامل هذه القطعة النقدية قليلة القيمة التي بالكاد تكفي لشراء قطعة حلوى محلية الصنع سيئة المذاق

وبينما كنت أهم بإضاءة شمعة، لاحظت وجود 10 قروش أسفل التمثال، وهو المبلغ الذي تركته السيدة الفلبينية كتبرع للفقراء والمحتاجين. وقفت مشدوهة النظر، أتامل هذه القطعة النقدية قليلة القيمة التي بالكاد تكفي لشراء قطعة حلوى محلية الصنع سيئة المذاق، هذه الفئة النقدية التي لا تساوي قيمة عند أغلبية سكان العاصمة عمان، وخاصة الجزء الغربي منها، هذه القطعة التي بلا شك تعني الكثير لتلك السيدة المتواضعة. فلو أردنا إجراء عملية حسابية بسيطة لحال هذه السيدة فعلى الأغلب أن أجرها لا يتعدى الـ 400 دولار، أي ما يقارب 283 دينار أردني، وهي بلا شك مسؤولة عن إعالة أو المساهمة في إعالة عائلة تسكن في الفلبين. فلو فرضنا أنها تبعث بأقل من نصف راتبها، أي حوالي 150 دولار في الشهر، إلى عائلتها فيبقى لها 250 دولار لأساسيات الحياة بين أجرة منزل ومواصلات وتسديد فواتير كهرباء وماء إلى جانب الطعام، فبالتالي فإن الـ 10 قروش هي قطعة نقدية ذات قيمة لديها، وهي كل استطاعتها في تذكر من هم “أقل حظاً” منها من البشر.

لقد شكلت هذه الحادثة، وتأملي في القطعة النقدية المتروكة، يقظة من العالم المادي الذي أعيش فيه

مازالت صورة تلك المرأة ذات القروش القليلة قابعة في ذاكرتي، ما تنفك تطرح علي بين الآونة والأخرى أسئلة تمزج بين الوجود والإنسانية، وأخرى تدخلني في متاهات نفسي ومن أكون، وماذا أريد من هذه الحياة، وما هي أولوياتي. فلقد شكلت هذه الحادثة، وتأملي في القطعة النقدية المتروكة، يقظة من العالم المادي الذي أعيش فيه، وقلة القناعة في ما أمتلكه وأقتنيه، وسعي للحصول على المزيد من كماليات الحياة وليس أساسياتها، وكثرة وجود أشخاص منغمسين في عالم الشكليات لدرجة أصبحت العلاقات تبنى وفقاً للمادة ويحكم على الأشخاص بالاستناد إلى ممتلكاتهم، وتتخذ المادة الأولوية في حياتنا بدون وعي في أغلب الأحيان.

مازالت صورة تلك المرأة ذات القروش القليلة قابعة في ذاكرتي، ما تنفك تطرح علي بين الآونة والأخرى أسئلة تمزج بين الوجود والإنسانية

About رنا كواليت 4 Articles
تعمل رنا في مجال الاتصال الداخلي والمؤسسي والعلاقات العامة، وهي ناشطة اجتماعية تكتب مقالات تعنى بالأمور الإنسانية وقضايا المجتمع. تهتم رنا بالمشاريع التطوعية. وتحاول من خلال كتاباتها باللغة العربية من إظهار جمال هذه اللغة، وغنى مفرداتها، وتوعية جيل الشباب بأن اللغة العربية هي جزء لا يتجزء من الهوية العربية التي يتم محاولة طمسها وإضعافها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*