آخر الأخبار

حين ينتصر حق الحياة

رسم تعبيري لطفل يتلقى العلاج بريشة إحسان حلمي

نادين النمري

في ثقافتنا غالبا ما ننظر إلى الابناء وكأنهم من المقتنيات، حتى عند الحديث عن الحقوق الانسانية والشرعية للصغير كالنسب، الحضانة، الوصاية، الولاية يتم التعامل معها غالبا على انها حقوق للأب أو الأم، متناسين حقيقة أن هذه الحقوق للطفل نفسه، والغاية منها حمايته. هذا الفكر مشكلة مستعصية في ثقافتنا، دفعت بالشاعر الراحل والذي اجزم انه كان سابقا لعصره وسابقا لعصرنا جبران خليل جبران بان ينبهنا بأن أبناءنا ليسوا لنا وليسوا ملكاَ لنا كذلك، رغم تغني العرب بهذه المقولة لكني أشك في أننا نؤمن بها حقيقة.

سبب حديثي عن اشكالية تفسير الحقوق إن كانت للوالدين أم للأبناء، هو ما تحقق أو نأمل أن يتحقق في الأيام القليلة المقبلة من تعديل لقانون العقوبات الأردني بحيث سيتم الاعتراف لأول مرة بموافقة الأم لاجراء تدخل جراحي او طبي لابنانها، فيما يقصر القانون بشكله الحالي على الولي الشرعي فقط (الولي الشرعي هو الأب، أو الشخص الذي تحدده المحكمة وغالبا ما يكون الجد لجهة الأب أو العم). مع الحديث عن تعديل القانون الذي يتوقع أن يقره مجلس الوزراء قريبا لتحويله الى البرلمان على أمل أن يوافق عليه النواب ويقره، رأى كثيرون في الأمر انتصارا وانصافا لحقوق المرأة، فيما هاجم وإن كانوا قلة قليلة من الذكورين القرار باعتبار أن قرارات من هذا النوع يستوجب أن تبقى ملكا للرجل الاقدر على اختيار القرار الصحيح!!!!

في نظري التوجه بإعطاء الأم وصاية طبية على أبناءها، ليس انتصارا للمرأة ولا انتقاصا للرجل، هو ببساطة انتصار لحق الحياة والحق في الحصول على الخدمات الصحية، هو انتصار للحياة على التعريف التقليدي للحق في الولاية. ورغم أن الامر بديهي ولا يتطلب كل هذه الضجة، فمن الطبيعي أن يكون الحق في الحياة أولى من كل الحقوق، ومن الطبيعي أن تكون الأم طرفا في القرار المتعلق بصحة أبناءها القاصرين كونها الأكثر قربا منهم والأدرى بأوضاعهم وتاريخهم الصحي، لكل القانون الأردني وليس فقط في قانون العقوبات إنما كذلك في الدستور الطبي وغيرها من التشريعات التي تحكم الصحة العامة، كانت تتضمن تمييزا كبيرا ضد الصغير وانتقاصا من قدرة الام في اتخاذ القرار المناسب.

واقع الحال أن منظمات نسوية وأخرى حقوقية كانت تتطالب ومنذ وقت طويل بضرورة تعديل القانون، بحيث يبيح للأم اتخاذ القرار، هذه التوصية كانت نتيجة لواقع ملموس لمئات الامهات اللواتي عانين من عدم القدرة على اتخاذ قرار بتدخل طبي لابناءهن، ولاسباب متعددة كان يكون الزوج خارج البلاد، او في محافظ بعيدة، وفي أحيان أخرى لظروف ترتبط بالتفكك الأسر والخلافات بين الزوجين وبالتالي يصعب الوصول للزوج، عانى الكثير من الاطفال وامهاتهن من هذا الشرط الذي تسبب غالبا ما كان يتسبب في تاخير باتخاذ القرار الطبي.

لكن ما الذي تغيير؟ في اكتور 2014 دفع رضيع حديث الولادة حياته ثمنا لهذا القانون، ولد الطفل الذي حمل اسم “قيس” بتشوهات في الجهاز الهضمي تتطلب تدخلات جراحية معقدة وعناية طبية حثيثة. نتيجة لخلافات بين الاب والأم رفض الاب الحضور الى المستشفى واعطاء الموافقة باجراء التدخل الطبي او نقل الطفل الى مستشفى أخر، بعد سبعة أيام من ولادته سلم الطفل روحه لبارئها. أثارت القضية حينها اهتمام المجلس الوطني لشؤون الاسرة والذي دعا لاجتماع للفريق الوطني لحماية الاسرة من العنف وتشكيل لجنة مشتركة من وزارة العدل والصحة والمجلس والجهات الشريكة خرجت اللجنة بتوصية لتعديل قانون العقوبات بعد استشارة دائرة قاضي القضاه، الافتاء وديوان التشريع، خرجت التوصية بحيث يصبح قرار التدخل الطبي بيد أحد الوالدين تم رفع التوصية الى ديوان التشريع ووزارة العدل وهما بدورهما رحبا بالتعديل.

لاقى ملف الوصاية الطبية للام متابعة كبيرة من الاعلام الاردني وناشطين مدنيين وامهات منظمات حقوقية ونسوية، ربما علينا الان الانتظار لحين اقرار القانون بشكل تام، ما تم هو جهد جماعي لانصاف قضية عادلة، سلام لروحك يا قيس.

About نادين النمري 5 Articles
صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*