آخر الأخبار

علموا أولادكم الحب – مجد وائل

Source: http://petapixel.com

كنت – وأعتقد أني لا زلت – طفلة أبي المفضلة.

بمجرد حصولي على رخصة القيادة كنت قد رأيت سيارة فضية لامعة تقف في كراج منزلنا بانتظاري.

سلمني والدي المفاتيح بيدي وعلى وجهه ابتسامة “والله وكبرتي يا بنت”.

دربني لعدة أيام لأتعلم على أبعاد السيارة الجديدة، وأفضل طريقة للاصطفاف، وخدع و أسرار لسواقة أسهل وأسلس.

سلمني والدي المفاتيح بيدي وعلى وجهه ابتسامة “والله وكبرتي يا بنت”

حصلت على ثقته، وأخيراً استلمت السيارة بدون إشراف لأقود في أول مشوار لي؛ الجامعة.

أخذت السيارة، فرحة كثيراً لشعور المسؤولية، ذهبت ووصلت وعدت الى المنزل بسلام.. حتى أخر لحظة.

عند اصطفافي في الكراج، اخطأت الأبعاد فأصبت السيارة بخدش خفيف.

لخوفي الشديد ورعبي خفت أن يرى حارس العمارة ما حصل، فأرجعت السيارة للخلف، وبسرعة جنونية حاولت أن أركن السيارة مرة أخرى، ولكن بدون أن أغير زاوية المقود أو أي شيء، وهنا حصلت الكارثة، إذ أن السيارة أصابت نفس العامود ولكن بشكل أقوى بمئة مرة، تحطمت زاوية السيارة  محدثةً صوتاً عالٍ جداً. نزلت من السيارة وأنا أرجف. وإذ بالحارس ووالدي والجيران يركضون نحوي ليروا ما حصل، أذكر أني نزلت أرتعش من الخوف والصدمة، رأيت وجه والدي أسوداً، يغلبه الخوف والغضب، أمرني أن أصعد إلى البيت، وأتى خلفي بعد أن عاين السيارة.

فتح الباب و اتجه نحوي، لم يعطني فرصة لأشرح ما حصل …أنني من الخوف “زدت الطين بلة”.

قال لي بصوت يملئه الغضب: “لو إني علمت حمار السواقة كان أحسن”.

كان غاضباً أني أخطأت الاصطفاف بالكراج الذي تدربت عليه مراراً وتكراراً، ولكن السبب الأكبر لغضبه كان لاعتقاده أني كنت أقود بسرعة كبيرة جداً لأصدم السيارة بهذا الشكل، عندما سمعت كلامه إنفجرت باكية ولم أفسر له شيئاً مما حصل وذهبت الى غرفتي مغلقة خلفيَّ الباب بدون أن أقول أي كلمة.

أربعة أيام مرت.

لم أكن أعلم أن هذه الجملة ستكون هي آخر جملة أسمعها منه.

لم أكن أعلم أنه سيفارق الحياة ويفارقني وهو لا يكلمني، وهو لم يسامحني، وهو لم يعرف حقيقة ما حصل، وهو لا يعرف كم أحبه.

كنت قد ذكرت أنني طفلة أبي المدللة، ولكنني لم أكن أعرف ذلك حقاً حتى اللحظة التي خسرته فيها، أفجعني كثيراً عدد الأيام التي مرت من عمري ولم ألمس وجهه فيها، أو ألعب بشعر شيبته، أو أقبله.

لم اذكر أبداً أنني قد أخبرته أني أحبه، أو أنني قد غمرته.

أفجعني كثيراً عدد الأيام التي مرت من عمري ولم ألمس وجهه فيها، أو ألعب بشعر شيبته، أو أقبله. لم اذكر أبداً أنني قد أخبرته أني أحبه، أو أنني قد غمرته.

لقد أدركت يومها أنني أفتقرت حبه، وهو أيضا افتقر حبي، عبر لي عن حبه بأشياء لم أستوعبها إلّا  بعد أن خسرته. استوعبتها وافتقرتها عندما كنت أرى أي أب وابنته في الشارع، يتشاركان الطعام في المطعم، يأخذان السيلفي مع بعضهم،يمشيان سويا، تقبله، يحضنها.

بقيت وحدي أندب عمري لأَنِّي لم أشعر أبي بالأبوة وحب الابنة. كنت أصلي لله ليل نهار بأن يسامحني والدي، وأن يعوّضه خيراً مني، أن يبدلني بإبنه تخبره بأنها تحبه، تحضنه، تجعله فخوراً.

كردة فعل لما حصل بكيت وفقدت القدرة على قيادة السيارة ولم أركب تلك السيارة بعدها أبدا، تركت كل أشكال السوشال ميديا، أعتزلت الاصحاب، وبقيت وحدي أندب عمري لأَنِّي لم أُشعر أبي بالأبوة وحب الابنة. كنت أصلي لله ليل نهار بأن يسامحني والدي، وأن يعوّضه خيراً مني، أن يبدلني بإبنه تخبره بأنها تحبه، تحضنه، تجعله فخوراً.

حتى رأيته يوماً في منامي، رأيت والدي يحضنني ويقبلني، وضوح الحلم وقوته جعلني أحس بأنه حقيقة، أحسست أن والدي قد جاء ورقع لي جرحا كنت من عمقه أخاله لن يلتئم.

في ذاك اليوم أفقت وأحسست بفرحة لم أشعر بها من يوم استلمت مفتاح السيارة تلك.

قررت يومها أن أتغير، أن أجعل والدي معي في كل شيء أفعله، أن أجعله فخوراً من بعيد. فهو يراني.

كنت أجدّ في عملي وأصبحت أحقق نجاحاً بعد نجاح لأنه علمني بأن أكون قوية ومصرة على تحقيق أحلامي.

أحبني بقسوته علي ليجعلني قوية، كأنه كان يعلم أنه سيفارقني صغيرة.

صرت أغدق بالحب والعاطفة التي فاضت في نفسي على أمي، لا أفوت فرصة لأقبل وجهها الجميل، أجلس في حضنها، أقفز عليها، أشكرها، أرسل لها رسائل حب عشوائية، أحضر لها الهدايا، أحتسي معها فنجان قهوة يومي ونتبادل الحديث، ولا أترك فرصة بدون أن أتصور معها.

صرت أغدق بالحب والعاطفة التي فاضت في نفسي على أمي

منذ ذلك اليوم قررت أن أصبح عاطفية أكثر، معبرةً أكثر، أن أشع حباً  وعاطفة مع القريب والبعيد والقلب الحزين.

غيرت السيارة، أخذت دروس قيادة جديدة، مع شخص يركز على السيطرة على الخوف، قبل السيطرة على الطريق.

كان هذا الدرس للسيطرة على جميع المخاوف في حياتي. فأنا بعد أن كنت أندب حظي، وأحسد غيري على أباءهم، وأقارن أعمار أباء الناس بعمر والدي الذي خسرته باكرا، أصبحت فخورة وغنية بوجود أبي معي لحظة بلحظة، في كل شيء، في كل مكان، في قلبي، وفي عقلي، في مكان أفضل وأجمل.

علموا أولادكم الحب

علموا أولادكم العاطفة

علموا أولادكم أن الابوة أكبر من الخوف والرهبة من رجل البيت، الابوة أكبر من الاحترام، أحبوهم.

أحضنوهم، وعلموهم النقاش، الحوار، حرية الرأي، والاختلاف.

ساعدوهم علي بناء الأحلام، علي بناء المستقبل، ساعدوهم ليشعروا  بأهميتهم.

أعطوهم شيئاً ليذكروكم به عندما ترحلون، واغنوهم بحياتكم بالعاطفة قبل المال، فإنها خالدة.

وأنتم اغمروا أهاليكم بحب شغف، بتقدير، بشكر، بكلمات، بالقبلات، بالاحضان.

اغتنموا الوقت حتى لا تندموا.

يا والدي…الحب أرواح توهب، فهل تكفيك روحي؟

الرحمة والسلام على أرواح جميع الآباء والأمهات الراقدين تحت التراب والساكنين في قلوبنا.

About مجد وائل 2 Articles
مصممة على الحياة, والتصميم هي مهنتي. عطشي للحياة يجعل قلبي يلتحف السماء والخضرة, ولا أنام إلا على الغيوم. احتسي حلكة الليل .مع نجمة أو اثنتين, ولا أحلم إلا بالمستحيل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*