آخر الأخبار

فريدا كاهلو.. عندما تخذلنا الحياة فنرسم

هذا المقال ظهر أولاً على نون للمقال الأصلي أنقر هنا
مرات كثيرة يرغب أحدنا في استعارة حياة شخص آخر أو على الأقل تجربة حياة أخرى لبعض الوقت، ظنًا منه أن هذه الحياة ممتعة وجذابة، لكن
إذا عرف تفاصيل هذه الحياة عن قرب ربما يتراجع أو تتغير وجهة نظره في هذه الحياة.
فريدا كاهلو مثال للحياة المتناقضة التي تحمل بداخلها مشاعر مختلفة وتجارب متباينة. لذلك إذا فكرنا أن نتحدث عن الإبداع والمعاناة، بالتأكيد ستكون فريدا كاهلو مثالاً مناسبًا ومطابقًا جدًا لهذه الجملة، ولدت الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو في 6 يوليو 1907، بإحدى ضواحي كويوكان بالمكسيك، لأب يهودي وأم من أصل مكسيكي. أصيبت كاهلو في السادسة من عمرها بشلل الأطفال، وأثر ذلك على ساقها اليمنى وترك عوجًا فيها، ما أثر على حالتها النفسية، وكانت ترتدي الجوارب الصوفية طوال الوقت حتى في أشهر الصيف لتخفي إعاقتها.
هل فكر أحد من قبل ماذا سيفعل بوقته لو كان -لا قدر الله- غير قادر على الحركة بشكل تام؟ أنا شخصيًا فكرت في احتمالات متعددة من الممكن أن تحدث لو أقعدت تمامًا عن الحركة، أول احتمال كان الانتحار.. ثم لم يرد على بالي أي احتمال آخر سوى أنني سوف أنتحر، وفكرت كيف سأنتحر وأنا مقعدة أو نائمة على ظهري متوقفة تمامًا عن الحركة.
ربما يصبح الانتحار هاجسًا أو فكرة مسيطرة على عقلي تمامًا، أو قضاء اليوم في تفكير بائس في كل ما حل بي، مع مراقبة الآخرين وحيواتهم والتحسر على نفسي وأنا ملقاه دون حراك، ربما أيضًا لا أتوقف عن التشاجر مع كل من حولي مع محاولات لتحميلهم مسؤولية إعاقتي بأي شكل من الأشكال، حتى أندمج أكثر في دور الضحية.
ربما كل هذه الأفكار السوداوية خطرت في بال كاهلو، لكن يبدو أنها لم تستسلم لتلك الرغبة المريحة في كونها ضحية، ما حدث مع فريدا كاهلو كان مختلفًا، فبعد أن أقعدتها إصابتها بشلل الأطفال ثم منعتها إصابتها في حادث ما من الحركة تمامًا، حتى أنها ظلت ممدة على سرير صغير تنظر للسقف، وبعد كل هذا الكم من العجز والوهن، طلبت من أمها أن تأتي لها بأدوات رسم وأوراق للرسم. ما كل هذه القوة والتحدي؟!
ظلت لفترة طويلة ترسم وجهها من مرآة معلقة على السقف، كانت ترسم وجهها والتغيرات التي تحدث لها كل يوم، لذلك تظهر في أغلب لوحاتها بملامح متعبة أو جسد منهك ومريض ومقيد ومجروح.
كان الرسم هو المتنفس الوحيد لفريدا الذي تعبر من خلاله عن آلامها وتستطيع أن تتجاوز به أيام المرض الطويلة الصعبة.
في عام 1929 تزوجت فريدا كاهلو من الرسام المكسيكي “دييجو ريفيرا” الذي ساعدها كثيرًا في مسيرتها الفنية، واستمر زواجهما عشرة أعوام، وبالرغم من أهمية وجود ريفيرا في حياة فريدا وكونه جزءًا مهمًا من أسباب استمرار مسيرتها الفنية، لكنها في نهاية الأمر اكتشفت خيانته لها، فانفصلت عنه وجسدت في لوحاتها الفنية أحداث حياتها، كالمرض والخيانة والألم.
يصنف الفنانون لوحات فريدا بأنها سريالية لكنها -على الرغم من ذلك- أراها لوحات واضحة لا تحتاج إلى تفسير للمواطن البسيط، فهي في الغالب تتحدث عن الحياة والقدر والألم والمعاناة التي مثلت جزءًا كبيرًا من حياة هذه الرسامة التي تعتبر مثالاً للقدرة على التحدي.
وفي السنوات الأخيرة من حياتها كانت فريدا تعاني من الالتهاب الرئوي، واضطرت إلى بتر ساقها اليمنى حتى الركبة بسبب الغرغرينا، وتوفيت فريدا كاهلو في 13 يوليو 1954، وكان السبب الرئيسي وراء الوفاة هو انسداد رئوي.
وتم حرق جثة فريدا والاحتفاظ برمادها في آنية بمنزلها “الأزرق” الذي كانت تعيش فيه مع زوجها “دييجو”، ثم تم خلط رمادها مع رماده بعد وفاته نتيجة لمرض السرطان، وقد تحول منزلهما الآن إلى متحف باسم فريدا كاهلو.
وقال زوجها السابق دييجو ريفيرا إن اليوم الذي ماتت فيه كاهلو كان أكثر الأيام مأساوية في حياته، مضيفًا إن الجزء الأفضل من حياته كان حبه لها. تركت فريدا العديد من الأعمال الفنية المميزة والعميقة، وعلى الرغم من أنها كانت مريضة بالرئة لكن العديد ممكن كانوا حولها في ذلك الوقت اعتقدوا أنها أقدمت على الانتحار تاركة ملحوظة في جوارها تقول “أرجو أن يكون خروجي من هذه الحياة ممتعًا، وأرجو ألا أعود إليها ثانية”.
الذي ينظر إلى حياة فريدا من بُعد يظنها حياة سعيدة صاخبة، لكن من يقترب منها يعرف أنها لم تتجاوز الألم بشكل كامل، ولكنها استطاعت أن تخلق من الحزن والمعاناة فنًا جميلاً يخلد حكايتها وحياتها بداخل لوحاتها.
About جليلة 94 Articles
نحن مجموعة من الكتاب والمفكرين... نسعى للارتقاء بالمحتوى العربي الموجه للمرأة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*