آخر الأخبار

في يوم وليلة ربي هداني

Source: www.theawaitedone.com

هناك حديث يقول: “اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك”. لقد فهمت معنى هذا الحديث ضمنياً وحرفياً عندما اختارني الله ليبتليني بسخط بعد سخط، في فترة قصيرة جدا. لم أفهم قبل هذه الفترة والابتلائات معنى العافية والصحة، ولا معنى الجمال والوجه الحسن، ولا مفهوم النعمة كمفهوم مجرد من أي أمثلة توضح معنى النعمة الحرفي…

الا بعدما خسرتها، كل النعم، واحدةً تلو الأخرى.

لقد كنت واحدة من كثيرين، يقولون أن الله لم يعطِني حظاً جميلاً، وأن الله لم يكرمني بأشياء – مادية لنقل- عديدة وعديدة… كنت أقول أن الله غيرُ موجود وأن كل ذلك تلاعب سياسي من حكومات كبرى منذ قديم الزمان لضبط جنس الأنسان عن فوضى الحيوانية والوحشية…

لقد كنت واحدة من كثيرين، يقولون أن الله لم يعطِني حظاً جميلاً

كنت أرى مفهوم الدين كمثل مفهوم العملة والنقود، المنبه اليومي، الراتب الشهري، ساعات العمل المحددة، دوام رسمي، عائلة فرضت عليك حتى تقرر أن تُكَوِنَ عائلة جديدة تفرضها على أرواح جديدة لم تُخلَق بعد. الدين بالنسبة لي كان روتيناً مثله مثل أي شيء فُرِضَ علي لأنني ولدت بنت فلان بهذا البلد، بهذا الزمن.

الدين بالنسبة لي كان روتيناً مثله مثل أي شيء فُرِضَ علي لأنني ولدت بنت فلان بهذا البلد، بهذا الزمن

أمي كانت تعرف وجهة نظري بديانتي بشكل خاص وديانات العالم كلها بشكل عام. كانت قد حاولت مرارا أن تُعَدل الفكرة، أن تهديني الى الصواب، أن تشرح لي لماذا الدين فرض، أسبابها كانت شكلية ومبهمة مثلها كمثل إجابات أي شخص قد تمر به بالشارع.. لما أن متددين؟ كانت أغلب الأجوبة تجوب حول: الخوف من ما بعد الموت، النار، العذاب الأبدي… أو “لأنني ولدت على هذا الدين”… كنت أفكر…” تماما كما في الجاهلية، دين أبائنا وأجدادنا”.

ان الله لم يسخطني من فراغ، كنت قد استحققت ذلك بجدارة، كنت قد غذيت الجانب السيء في قلبي حتى فاض على الطيب، لم أترك حيّزاً للطيبة والخير، كنت مختالة فخورة لحد البشاعة، كنت أنانية، كاذبة بشكل مرضي، ألهتني الحياة الدنيا وأغرقني متاعها حتى آخر نفس… نعم انه آخر نفس كنت قد التقطت… حتى مد الله لي يده وانتشلني من وحل صخبي، بسخطه علي.

الحمدالله على النعم التي اعتدنا وجودها فنسينا شكره عليها… نعم لقد كانت كلها نعم، وكنت اكثر من محظوظة، وأكثر من ذكية… حتى خسرت كل شيء…. أدركت كم كنت غنية بنعم الله علي، وحده الله كان قد وقف معي في محنتي هذه، حين تركني الجميع حتى عائلتي “المفروضة” لأنظف وحدي رفات ما صنعت يداي.

الحمدالله على النعم التي اعتدنا وجودها فنسينا شكره عليها

نعمة تلو الأخرى كانت قد زالت. سخط وزوال وتحول. كل ذلك امطرني به الله في ليلة واحدة، وغدوت وحيدة، بلا سند ولا أحد. حينها فقط أحسست بوجود نور وطاقة داخلية أنارت قلبي، قوة من غامض علمه، إيجابية، طاقة، حب وتفاؤل. تفكرت بالسنين التي ضاعت من عمري وأنا أثقل ميزان سيئاتي بفخر، وأحسست أني لا أملك المزيد من الوقت لأخسره.

تفكرت بالسنين التي ضاعت من عمري وأنا أثقل ميزان سيئاتي بفخر، وأحسست أني لا أملك المزيد من الوقت لأخسره.

كانت أخر مرة صليت فيها في الصف الثاني بمسجد المدرسة، فاحتجت ان اتعلَّم كيفية الصلاة مجدداً كأني طفلة، تابعت فيديوهات ومقالات عن طريقة الوضوء والصلاة، وصليت ركعتين، والحقتهم بركعة تلو الأخرى، وأنا بماراثون تعويضٍ لصلوات عمر استحقاقها أكثر من ٢٠ سنة ضاعوا علي. أحسست برغبة أكبر بكثيرٍ من رهبة، صليت لربي لأَنِّي أطمع بوصاله قبل طمعي بجنته… لأني أطمع بسمحه ورضاه وعفوه، قبل أي نعمة دنيوية يهبني اياها.

صليت لربي لأَنِّي أطمع بوصاله قبل طمعي بجنته

ادركت وقتها أن المؤسسات التعليمية والأهل يخفقون أحياناً عديدة بشرح الدين لأبنائهم بالأسلوب الذي يقرب مفهوم الربانية والدين عند الطفل، الذي هو بعيد كل البعد عن الترهيب والخوف. قرب الله من عبده، وحده كفيلٌ بشد العبد لربه.

غدت صلاتي لقاءٌ شغفٌ بربي أتوق له من صلاة لصلاة لأخبر الله ربي عن فرحي قبل حزني وهمي، لأحمده وأشكره على أصغر النعم التي عشتها واستشعرتها بين الصلاة والصلاة… ابتسامة عابرة، منظرٌ جميل، صديقٌ وفي، جسدٌ صحيح، وربما أكون أغنى من كل ذلك بساعة أخرى من عمري أستغفره فيها، أشكره فيها، أعبده بما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.

غدت صلاتي لقاءٌ شغفٌ بربي أتوق له من صلاة لصلاة لأخبر الله ربي عن فرحي قبل حزني وهمي

لا تعبدوا الله خوفاً ولا رهبةً، ولا لجنةٍ ولا لنارٍ، اعبدوه طمعاً بمغفرةٍ وبرضا وعفوٍ إلهي. قال الشعراوي: “’لا تعبدوه ليعطي بل اعبدوه ليرضى , فإذا رضى أدهشكم بعطائه’. وَيَا الله ما اغناني برحمتك وما أخف قلبي برضاك.

About مجد وائل 2 Articles
مصممة على الحياة, والتصميم هي مهنتي. عطشي للحياة يجعل قلبي يلتحف السماء والخضرة, ولا أنام إلا على الغيوم. احتسي حلكة الليل .مع نجمة أو اثنتين, ولا أحلم إلا بالمستحيل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*