آخر الأخبار

قصة فتاة مع الزواج المبكر – الحلقة الثالثة

 في يوم جاء مدير المصنع وسألها إن كانت تجيد إستخدام الحاسوب والبريد الإلكتروني، فأجابته: “بالطبع، فإخواني يدرسون تكنولوجيا المعلومات وأنا كثيرة الجلوس حولهم” ، وأخبرها بأنه أبتداءً من الغد ستصبح السكرتيرة وستداوم في طابق الإدارة، وقد كان بإمكانها أخذ دورة كمبيوتر إن أرادت أو أية دورات أخرى، ولكنها كانت تتعلم لوحدها وبسرعة كيفية القيام بأعمال السكرتارية.

وفي تلك الفترة بدأت ترتب أوراقها وتعيد حساباتها مع الحياة، تبكي كل يوم وتتوجع ولكن دون صوت أو أنين

وفي تلك الفترة بدأت ترتب أوراقها وتعيد حساباتها مع الحياة، تبكي كل يوم وتتوجع ولكن دون صوت أو أنين، كان طليقها قد حرمها من مشاهدة أبنائها، فأصبح العمل والكتابة والقراءة هما المسكن لآلامها في الحياة. وفكرت بأنه يمكن أن تنضم لمركز تدريب مهني تتعلم أي مهنة، وكانت قد فكرت في تصنيع المواد الكيماوية، بالإضافة إلى ذلك كانت تلك المراكز تقدم راتباً مقداره ثمانون دينار للطالب خلال سنتي التدريب، وبالفعل بدأت بالبحث، وسجلت في أحد المراكز وطلبوا بعض الأوراق الإضافية، ولكن القدر بدأ يرسل لها رسائل أخرى لتعديل مسارها.

ففي يوم من الأيام، خلال فترة الغداء كانت تجلس مع المهندس  العراقي الجنسية مصطفى ( المدير ) وكان قد نشأ بينهما نوع من الصداقة رغم فارق السن.  فكلماته وتشجيعه المستمر لها وثقته بها وحواراتهم في مختلف المواضيع الدينية والثقافية والاقتصادية والإجتماعية أو أية مواضيع تطرأ على ساحة النقاش، ما زالت تسكن بذاكرتها.  لكن الحوار يومها كان له رائحة مختلفة.

” ياسمين، لم لا تكملي تعليمك الجامعي؟ أنت لا ينقصك سوى الشهادة، تملكين من المعرفة ما لا يملكه خريج الجامعة ولكن وطننا العربي لا يحتفي ولا يعترف إلا بأؤلئك الذين يحملون تلك الكراتين”

 بدأ المهندس  الحديث قائلاً :” ياسمين، لم لا تكملي تعليمك الجامعي؟ أنت لا ينقصك سوى الشهادة، تملكين من المعرفة ما لا يملكه خريج الجامعة ولكن وطننا العربي لا يحتفي ولا يعترف إلا بأؤلئك الذين يحملون تلك الكراتين . إذهبي وإحصلي على واحدة وإبدأي حياتك من جديد”، فإبتسمت وأخبرته بأنه يجب عليها أن تتقدم لإمتحان الثانوية العامة قبل الالتحاق بالجامعة وأنه بعد كل تلك السنوات فإنه من الصعب عليها أن تعود لتدرس، وقد كانت في الفرع العلمي، وأكملت قائلة:” وهل سأمضي خمس سنوات اخرى أدرس”؟ ورغم أنها كانت تتفوه بتلك الكلمات إلا أن قلبها كان يقول لها: “أليس ذلك حلمك أليس ذلك طموحك ألم تبكي كلما شاهدت مسلسل فيه طلاب جامعات”؟ وإستكملت حديثها:” سأكتفي بالذهاب إلى مركز للتدريب المهني لتعلم مهنة أستطيع أن أحيا بها، نظر إلي ساعتها نظرة لن أنساها ما حييت”، وابتسم وقال: “بعد خمس سنوات ستكونين  ياسمين المحامية أو المحاسبة أو الصيدلانية أو… أو “. وفي أقل من ثانية جعلتني كلماته أرى المستقبل مشرقاً، وفجر في روحي طاقة كانت تنازع للخروج، فإبتسمت وقلت له: ربما” .

في ذلك اليوم بدأت ياسمين تشعر بأن الحياة لن تخذلها من جديد، وأكملت عملها يومها وأفكاراً تطاردها وتسرق تركيزها المعتاد في العمل، وتراودها رؤى وأحلام وخيالات.

ولم ينتهي اليوم حتى أرسل الله لها رسالة أخرى ليخبرها بأن هذا هو الطريق، ففي مساء ذلك اليوم، جاءت اختها التي تصغرها بست سنوات لزيارتها، كانت هي الأخرى قد تزوجت في سن السادسة عشر، ولكن ظروفها كانت مختلفة نوعاً ما،  فلقد كانت قد أنهت الثانوية العامة وبدأت سنتها الأولى في الجامعة، كانت الأكثر دعماً لها على وجه الأرض، كانت اليد الحانية والكلمة الدافعة، كانت تستمد القوة من ابتسامتها وثقتها بها، وقالت لها :” لماذا لا تكملين دراستك، لقد كنت أذكى واحدة فينا” ، جربي  تقدمي للثانوية العامة على الأقل”، وتأكدت حينها أن هؤلاء الناس هم رسائل الله لها ، فقالت لها :”أحضري لي كتبك لأطلع عليها” . وبالفعل أحضرتها في اليوم التالي، فنظرت إلى تلك الكتب وشعرت بأنها تخاطبها وتتواصل معها، وأنهم بإنتظارها منذ زمن، شعرت بالدفء عندما كانت تحملهم بين يديها، وبعد إسبوع ذهبت وسجلت للدورة الشتوية، وعندما حان وقت الإمتحانات أخذت إجازة من المصنع لمدة شهر ودرست، كانت أختها ما تنفك تشجعها بكلماتها وابتساماتها الملائكية، درست بجد بالطريقة القديمة التي كانت تمارسها منذ سنين، كانت العلاقة بينها وبين تلك الكتب أشبه بالتواصل الروحي والانتماء والحب، وتقدمت للإمتحانات، وكنت تعود للبيت بعد كل إمتحان وهي  تحمل الكون بقلبها والسماء في عينيها.

في ذلك اليوم بدأت ياسمين تشعر بأن الحياة لن تخذلها من جديد، وأكملت عملها يومها وأفكاراً تطاردها وتسرق تركيزها المعتاد في العمل، وتراودها رؤى وأحلام وخيالات.

وعادت للعمل بعد ذلك، تنتظر النتائج بصبر وتفكير عميق،  وتحاور نفسها: “كيف لي أن أكمل دراستي؟ فالتعليم الجامعي يحتاج لمصاريف، وأنا لا أريد أن أثقل على أبي، ولأ أريد أن أخذ منه قرشاً” ، ولكنها توكلت على الله رب العالمين، وتركت الأمل ينمو داخل قلبها تسقيه كل يوم دعائها ورجائها وإيمانها العميق بالله، وفي ظهيرة يوم من الأيام، و في وقت تناول الغداء تلقت إتصالاً هاتفياً من والدتها تخبرها انها قد نجحت في إمتحانات الفصل الأول بمعدل 92.3 % ، في لحظتها عرفت ما هو المعنى الحقيقي بأن تفرح من أعماقك وما معنى الإنتصار والنجاح.

 بعد ذلك بدأت الأعاصير تعصف بالموجات الكهربائية لعقلها، وبدأت ذبذبات ذلك القلب الصغير تعلن عن إطلالة جديدة، وكانت تمضي أيامها بالعمل نشيطة مليئة بالأمل والألم

 بعد ذلك بدأت الأعاصير تعصف بالموجات الكهربائية لعقلها، وبدأت ذبذبات ذلك القلب الصغير تعلن عن إطلالة جديدة، وكانت تمضي أيامها بالعمل نشيطة مليئة بالأمل والألم، وعندما حانت إمتحانات الفصل الثاني أخذت إجازة أخرى من العمل مدتها شهر لتدرس بقية المواد، في تلك الأيام كان نظام الثانوية العامة نظام حزم، وكان هذا من الأشياء التي حمدت الله عليها، فذلك النظام ناسبها كثيراً.

بذلت قصارى جهدها ليس من أجل النتجة النهائية بل لأنها كانت تحب وتعشق الدراسة، كانت تمضي ساعاتها دون أن تشعر بتعب أو ملل، تستيقظ في الخامسة باكراً مع العصافير المغردة وتنام في التاسعة مساء، لا تقوم خلال تلك الساعات سوى بالدراسة، إضافة إلى ما يحتاج الإنسان أن يقوم من واجبات ليحيا، كانت تتنفس كتبها و تحيا بأوراقها وأقلامها، والحمد لله  بأن ما قدمته من قلبها عاد لها وحصلت على نتيجة 93.3 %.

وبدأ الأمل يوسع مساحاته في قلبها، فهاهو فصل جديد مشرق في حياتها على وشك البدء، ولم تشعر بأي ضعف رغم أنها لأ تعلم كيف لها أن تلتحق بالجامعة وكيف لها أن تتحمل تكاليفها،  ولكنها كانت تشعر بأنها تمتلك الكون دروباً والفضاء نجوماً، متوكلةً على الله.

وبعد ذلك قامت بشراء  نموذج الالتحاق بالجامعة، وقامت بالاختيارات المتاحة لها، كاللغات والأدب، وبالفعل حصلت على الموافقة على أول اختيار لها وهو دراسة اللغات الحديثة، وكان قسط الجامعة الأول 380 ديناراً، لم تكن تملك في جيبها منها فلساً، وكانت قد عاهدت نفسها بأن لا تأخذ من والدها قرشاً، ولكن قلبها مازال متوكلاً على الله، حق التوكل. بأنه سيرسل الفرج لها من بوابة هي لا تعلمها.

وبدأ الأمل يوسع مساحاته في قلبها

وفي صباح أحد الأيام، تلقت مكالمة هاتفية من صديقتها التي كانت تعمل كمحاسبة معها في المصنع وتركت العمل، لتعرض عليها فرصة عمل غريبة من نوعها، وكانت ياسمين قد أخبرتها بما تواجه بعد حصولها على النتيجة وقبولها بالجامعة، قالت لها :” أبنة مديري في العمل قد أخفقت في الثانوية العامة، وقد أخبرته عنك، فطلب مني أن أعرض عليك  بأن تقومي بتدريس ابنته جميع المواد، وفي الاوقات التي تناسبها مقابل أن يعطيك راتبك لمدة ثلاث شهور مقدماً”. يالله كم أنت رحيم سميع الدعاء، يجيء بالفرج من أبواب لا يعلمها سواه، ولكن يجب عليك أن تثق به وأن توقن وتعقد بأنه صاحب الأمر ولن يخذلك. كانت  كلماتها تشع بالأمل عندما قالت :” أنا أعلم أن توفيقي ونجاحي وتفوقي كلها نعم من الله، إن الله لا يخذلك أبداً إذا ألقيت أحمالك عليه.

 يالله كم أنت رحيم سميع الدعاء، يجيء بالفرج من أبواب لا يعلمها سواه، ولكن يجب عليك أن تثق به وأن توقن وتعقد بأنه صاحب الأمر ولن يخذلك

فأنت إذا عزمت على شيء، فقط توكل على الله، وسر في دروبك، وسيستجيب لك العالم بأسره، سيفتح الله لك دروبا لا تعرف بوجودها، سيرسل لك أشخاصاً ويهيء لك الظروف، المهم أن تعقد العزم جيداً وأن تصمم على النجاح وتثق بالله، هذه هي مكونات الوصفة السحرية لتخطي أية صعاب ولتحقيق أي مراد.

وهكذا إبتدأ فصل جديد في حياة ياسمين ، فصل لطالما حلمت بأن تكتبه، لطالما حلمت بأن ترسمه، لطالما حلمت بأن تنقشه وتلونه. تسير فيه خطواتها الأولى وهي مفعمة بالطاقة اللامتناهية، وكانت أيامها الأولى في الجامعة كولادة جديدة فعيونها ترى العالم بشكل جديد واذناها لا تسمع سوى أجمل الاصوات، وقلبها وحاسة ذوقها كلها كانت جديدة .. لقد تجددت خلاياها كلها وأصبحت إنسانة جديدة.

وحكاية ياسمين لم تنتهي هنا بل بدأت فقط فصلاً جديداً ، وسيكون لنا لقاء مع فصول أخرى من حياتها. 

كان الفصل الأول قد إبتدأ مع الزواج المبكر وإنتهى بالإنتصار على ظلم المجتمع وتحديه والوقوف على الأرض من جديد.

About جليلة 94 Articles
نحن مجموعة من الكتاب والمفكرين... نسعى للارتقاء بالمحتوى العربي الموجه للمرأة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*