آخر الأخبار

قصة فتاة مع الزواج المبكر – الحلقة الثانية

وبالعودة إلى أحداث قصتنا وبعد زواجها بدأ فصل جديد معتم ومبهم، دخلت صديقتنا قفص العذاب بحكم مؤبد، وأبتدات قصتها مع الألم، كانت الثواني تمر ببطء شديد وكانت الايام مغبرة، عاصفة، مملة لا تكاد ترى منها شيئاً، ولكنها كانت تمضي، أياماً محسوبة من عمرها، وقد كان للعمر تعريف آخر لديها في تلك المرحلة من حياتها، كان عطية من الله لك لتجرب خلالها شتى أنواع الوجع، كان العمر أياماً تحرص بشدة أن تمضي ويذهب كل يوم في شأنه، كان العمر سنواتٍ تجلس بها على قارعة الطريق تنتظر الموت.

بعد زواجها بدأ فصل جديد معتم ومبهم، دخلت صديقتنا قفص العذاب بحكم مؤبد

من يقول أن الموت مرة، لقد كانت تموت باليوم ألف مرة ، إضافة إلى ذلك فلقد كان هنالك القوانين الصارمة  لبيت حماها، مثل: ممنوع الخروج والنزول ، منوع زيارة أهلك إلا لمدة نصف ساعة كل شهر وبرفقة زوجك، إذا جاء اهلك لزيارتك ممنوع منعا باتاً الجلوس بالقرب منهم، وإياك ثم إياك الإختلاء بهم ، ممنوع التكلم معهم عبر الهاتف قطعياً، تمضين يومك بالعمل الجاد مثل ما كانت تفعل سندريلا لزوجة ابيها وابنتيها ومن دون همس أو تعبير أو شكوى أو ملل أو تعب، تأكلين ما يأكلون حتى وإن لم تكوني تحبينه، فأنت لا تجرئين على قول أنا لا أكل هذا الصنف من الطعام، وتمضين أيامك هكذا لا تعلمين ما هو اليوم وماهي الساعة ولا تعلمين شيئاً، كأنك في سرداب ليس للزمن علاقة به. كانت إذا تعبت أول الليل ونعست لأ تستطيع  النوم ـ بل إنها لا تستطيع ان تقفل عينها أمامهم خوفاً من التعليقات، ولكن عيناها لم تكونا تطاوعانها أحياناً،  فلقد كانت تغفو وهي جالسة في كثير من الأحيان وتسمع على إثرها الكثير من الكلام والنقد اللاذع، ومن ثم خطرت لها فكرة فأصبحت تدخل الحمام وتضع المنشفة على الأرض لتغفو لو لبضع دقائق، ومن ثم تغسل وجها وتخرج لتكمل واجباتها حتى يسمح لها بالنوم، كان النوم بحساب.. والتحرك بحساب.. حتى التنفس كان بحساب.. وكانت إبنة الخمسة عشر عاماً تعيش العبودية في القرن الواحد والعشرين، وفي بيت عمها.

كانت إبنة الخمسة عشر عاماً تعيش العبودية في القرن الواحد والعشرين، وفي بيت عمها.

طبعا هذا مختصر مميت لما كانت تحياه ومما إستطاعت إخباري به، فالشيطان يكمن بالتفاصيل كما يقولون ولأني لا أرغب بتواجده الآن فلا داعي لمزيد من التفاصيل، كان هذا حالها في السنوات الثلاث الأولى، وليس هناك من رأفة توخذ بحالها ليخفف عنها ذلك إلا أن يتزوج الاخ الاصغر ممن تتزوجين عندها  سيكون هناك ضحية جديدة تساعد في خدمتهم وتلبية طلباتهم. وعندها يحق لك فقط التغيب عن الواجب الصباحي ويحق لك ان تغادري ساحة العبودية مبكرا.

وعندئذ كان هناك ولو القليل من الوقت لتعود لصديقها الصدوق الذي كان يتم تسريبه لها كما يتم تسريب الممنوعات، حين كانت تخبرني عن ذلك الصديق قالت والشغف يملىء ليس فقط عينيها وإنما كامل جوارجها:” إنه صديقي الذي كان يسليني ويعينني على الرحلة ، انه الكتاب، فقد كان رفيقي المخلص، الذي سمعني وشاركني كل شيء بلا استثناء، كان يسمع انيني دونما صوت ويسمح الدمع من عيني دونما لمس، كان حبيبي الذي يمنحني القوة، وأخي الذي يسندني.. وأبي العطوف.. واستاذي الذي يرشدني.. واختي كاتمة اسراري.. وأمي التي تحبني واحبها دونما قيود… كان طبيبي ومستشاري الحقيقي… كان مليكي الذي أكن له كل الولاء.. ووزيري الذي يساعدني على حكم ايامي.. وما أكثر ما أخبرته بأن هذا ليس مكاني، وكان يشير بالإيجاب. يتبسم أحياناً ويعبس أحياناً أخرى ولكنه كان دائم التأكيد بأن لا أييأس فهنالك عوالم أخرى بإنتظاري، ومهما طال إنتظاري ونضالي فإني سأصل يوماً ما”

وعندئذ كان هناك ولو القليل من الوقت لتعود لصديقها الصدوق الذي كان يتم تسريبه لها كما يتم تسريب الممنوعات، حين كانت تخبرني عن ذلك الصديق قالت والشغف يملىء ليس فقط عينيها وإنما كامل جوارجها:” إنه صديقي الذي كان يسليني ويعينني على الرحلة ، انه الكتاب، فقد كان رفيقي المخلص

ومضت السنون لتجد نفسها غير قادرة على الإستمرار، مر ما يقارب الست سنوات حدث فيها ما يمكن كتابة ثلاث افلام عنه، اثنان هنديان وآخر أكشن، انجبت خلالهما ملكين، ولكن الصغير كان ملاك ذو قلب ضعيف فقد ولد بتشوه قلبي احتاج الى اجراء جراحات قبل ان يتم عامه الأول، وأصبحت حياتها مليئة بهم، وبكثير من الاهانة والاذلال والعذاب، وكان الحال يسوء دائماً للأسوء.

 وعندما حانت لحظة الصفر أخبرت أهلها بأنها أمام إحدى ثلاث خيارات إما الانتحار أو الانحراف أو أسهلهم وهو الجنون، وأخيرا أعطاها والدها تصريح بأن تختار طريقاً محدداً ذلك الطريق بشروط  يخيرها به ما بين الموت والموت، كتلك التي يخيرونها بأية طريقة تودين الموت. إما أن تمضي بقية حياتك مع ذلك الشخص الذي يقوم بضربك وأهانتك وإذلالك واشياء أخرى لا يمكن التصريح بها، أو أن تتركي ذلك المستنقع وتتركي أطفالك معه، واشترط زوجها عليها بنفس الشرط  إذا أرادت الطلاق فلن يسمح لها بأخذ ابناءها. كان الإختيار بأي طريقة تريدين أن تموتي، إختاري أنت فقط الطريقة التي تعتبرينها الأكثر لذة للموت. وقف العالم كله في وجهها. لم تجد أحداً يمد يد المساعدة..

إما أن تمضي بقية حياتك مع ذلك الشخص الذي يقوم بضربك وأهانتك وإذلالك واشياء أخرى لا يمكن التصريح بها، أو أن تتركي ذلك المستنقع وتتركي أطفالك معه

وأكملت والدمع الحار يترقق بعنيها قائلة:”  فتصارعت مع نفسي كثيراً أسألها: أيهما أقل إيلاماً وأيهما سيكونه طريقه أطول للجنون؟ تساءلت كثيراً: لماذا علي أن أموت في هذه الحياة؟ هل وجدت الحياة لنحيا أم لنموت؟ ثم بدأت التفكير بطريقة أكثر عقلانية، أو ربما أكثر جنون، إن وجودي مع أطفالي لا يجدي نفعاً، ربما إن عاشوا مع طرف واحد بعيداً عن الخلافات فهو أفضل لهم، ربما إن استجمعت قواي أستطيع أن أنتشلهم، وأن أمد لهم يد المساعدة، احترت.. وتعثرت.. وتهت.. وتعبت.. وغرقت في دهاليز ليس لها حلول، وأطلت روحي على حواف الهاوية ومت وعشت وسئمت من الألم، ووقفت أمام الشباك وقت الفجر أدعو الله أن يساعدني ، لأن إنتزاع القلب بسكينة تلماء ليس بالأمر الهين”.

وفي يوم حصولها على شهادة البراء، بقيت طوال الليل منزوعة المقلتين، عقلها ينزف وقلبها متجمد بين الضلوع، كان عليها أن تنهض وتسير بدون أقدام، وأن تتنفس بدون رئتين حتى تستطيع أن تعيش، عقدت العزم على أن ليس هناك خيارات أخرى غير الحياة، فقررت العمل

وفي يوم حصولها على شهادة البراء، بقيت طوال الليل منزوعة المقلتين، عقلها ينزف وقلبها متجمد بين الضلوع، كان عليها أن تنهض وتسير بدون أقدام، وأن تتنفس بدون رئتين حتى تستطيع أن تعيش، عقدت العزم على أن ليس هناك خيارات أخرى غير الحياة، فقررت العمل، ولم تكن تحمل حتى شهادة الثانوية العامة؛ لذا كانت فرص العمل المتاحة لها هي مجرد أعمال يدوية، وما منحه إياه والدها من الحرية والثقة، تكفيراً عن أخطاءه الغير مقصودة،  أعطتها رئة جعلتها تبدأ فعلياً بداية جديدة، فذهبت وبحثت عن أي عمل يمكن أن تقوم به، المهم أن لا تكون عالة على أحد، وأن تعتمد على نفسها، وبالفعل عملت كموظفة استقبال في أحد الفنادق العادية، وعملت هناك لمدة شهرين أو أقل، ومن ثم شعرت بأن هذا المكان لا يناسبنها فقامت بالبحث من جديد، ثم عملت في مكتب توظيف يعمل بدون ترخيص، كانت تبحث ايضا خلالها عن عمل أفضل، وبعد ثلاثة شهور قررت أن تترك العمل هناك، ووجدت أن العمل في المصانع أفضل من غيره لمن لا يحمل شهادة، وبالفعل عملت في مصنع لأقلام الحبر والألوان، كانت فترة عملها هناك من أجمل فترات حياتها رغم بساطة العمل وقلة الراتب، إلا أن معظم العاملات هناك كن إناث، وكن حقاً طيبات مجتهدات، كانت بيئة العمل صحية ومشجعة، وبفضل كفاءتها كانت تتنقل بين الأقسام وتترقى بسرعة كبيرة أثارت غيرة البعض من حولها ممن لا يعلمن أن جل تركيزها منصب على العمل حتى تنسى ألمها وحزنها ولتملىء ذلك الجوف المحروق بأي شيء يخفف من حرقة الأيام وقسوتها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*