آخر الأخبار

كأن شيئاً لم يكن – شيرين نبابته

وجدت نفسي أقف في طابور طويل أنتظر دوري في كيلو القطايف. أمي تريدنا أن نودع الشهر الفضيل دون أن ننسى ذاك الطعم الرائع الذي يجعلنا نشتاق لرمضان. نظرت حولي . اب مع أطفاله الأربعة يبدو بأنه قال لهم هيا لنذهب في رحله للبحث عن القطايف يصرخون و يلعبون، سيده في منتصف العمر تنظر للساعه وتقول تأخرت، آخر سعودي يتلفت بكل الاتجاهات ويوزع ابتسامات، رجل سمين واخر نحيل وبنت صغيره، خادمه سيريلانكيه لوهلة شعرت بأنه اجتماع دولي لمناقشه قضيه عالميه.

هذا هو القطايف، كم انت جميل، كم انت عظيم، الطوابير بانتظارك لتطل عليهم بحلتك الجميلة

بدأت أشعر بالضيق، فنظرت حولي مجددا ، دائرة لولبيه تدور و تدور، سائل أبيض لامع، يقع على صاج حام ثم تظهر فقاعات ، تتماسك الدائره لتصبح كتله لونها مشع محمر وشكلها لذيذ ، هذا هو القطايف، كم انت جميل، كم انت عظيم، الطوابير بانتظارك لتطل عليهم بحلتك الجميلة. قدامي نملت و عيناي تركيزها على القطايف، وجدت راحه نفسيه غريبه، عزلت نفسي عن العالم و تمسمرت انظر الى ما يحدث أمامي، دخلت في رحله تأمل غريبة.

همه الوحيد ان تكون قطايفه دائرية تماماً، شعرت بأنه ملك يوزع أوسمه ويريدها جميعا نفس الشكل والناس تقول “يلا يا عم، مشينا”

الرجل العجوز الذي يصب القطايف وحوله العديد من العمال أو الصبية لم يكترث لعدد الجماهير التي تنتظر القطايف، همه الوحيد ان تكون قطايفه دائريه تماما، شعرت بأنه ملك يوزع أوسمه ويريدها جميعا نفس الشكل والناس تقول “يلا يا عم، مشينا”. الجميع يريد لو يسلم العم العجوز العهده لأحد العمال ليمشي الدور أسرع.

العامل الذي يستلم الوصل ليسلم الطلبيه يشعر بضيق شديد. هو من يمتص غضب الجماهير ويمازحهم و يسليهم و هو بداخله بركان يريد أن ينفجر في أي لحظه ، وكأنه يقول ما بكم أتركتم قضايا العالم ، التفجيرات، الاحتلال، الغلاء المعيشي و اصبح همكم الاكبر كيف تحصلون على كيلو قطايف. وكأنه كيس الملاكمه الذي يحمي الرجل العجوز وعماله قبل وقوع المعركه.

طال الانتظار، البعض فرغ صبره و انسحب و انا ما زلت انظر الى صاج القطايف وفجأه توقف الزمن وأصبح كل شيء حولي بطيئا جدا شاهدت القطايف يتطاير ويسقط على الأرض و عامل يحاول أصدقاؤه ابعاده عن زبون و الزبون السمين يتفوه بعبارات نابية و تحولت رحله التأمل الى كابوس لا ينتهي. العامل بطريقه ساخرة قال : “غداً رمضان” وكان يضحك مع زملائه على صف القطايف الطويل والزبون السمين قال له: “كف عن تضييع الوقت و انجز عملك” فهبت المعركه. العامل طبعا أردني لا يتقبل الانتقادات لأنه ينسى بأنه مسؤول عن عائلة وكرامته فوق كل اعتبار، تطاول على الزبون والزبون بنعرة وطبقيه غريبه هاجم العامل.

الصبر نفد، نسيوا شهر الرحمه والغفران، نسيوا بأنهم يأكلون القطايف مع عائلاتهم ليودعون شهر الخير بحب و سلام

الصبر نفد، نَسوا شهر الرحمه والغفران، نَسوا بأنهم يأكلون القطايف مع عائلاتهم ليودعوا شهر الخير بحب و سلام. كل ذلك رمي وراء ظهورهم و فاز قانون الغاب. شعرت بأسى و حزن شديد، العم العجوز كاد قلبه أن يتوقف والعمال يدافعون عن صديقهم، قلت للرجل السمين هذا عامل فقير ستتسبب بقطع رزقه،  لكنه لم يعيرني اي اهتمام، حاولت الجماهير فك النزاع ولكن بلا فائدة حتى جاء صاحب المطعم و طرد العامل خارج المحل.

لم يبقى أحد في الطابور الا انا و كيس الملاكمه العامل الذي يمتص غضب الناس. نظر الي بابتسامه غريبة وعيون مليئه بالقهر وقال لي : “كم رقمك يا فندم؟” وكأن شيئا لم يكن.

قال لي : “كم رقمك يا فندم؟” وكأن شيئا لم يكن.

About جليلة 94 Articles
نحن مجموعة من الكتاب والمفكرين... نسعى للارتقاء بالمحتوى العربي الموجه للمرأة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*