آخر الأخبار

أنت أم؟ ماذا فعلتِ اليوم؟

مصدر: http://www.wikihow.com/Enjoy-Being-a-Stay-at-Home-Mom
يبدأ يومك كما ينتهي. يبدأ قبل أن تقوم من فراشك وأنت تفكر في الأشغال، المسؤوليات، البيت والعمل والطعام وبعض الأخبار والمكالمات من هنا وهناك.. غير أن الحياة أحيانًا تلقي إليك ببعض مفاجآتها، ما يجعلك تنسى ما عليك القيام به كل يوم، لتغلق فمًا آخر انفتح تجاهك.
في الصباح، بعد أن أنهيتُ أحد الكورسات التي أعطيها “أونلاين”، وبينما أستعد للنزول للمجيء بابنتي من حافلة المدرسة كالعادة، أفاجأ بالمياه تبتلع مطبخي وتزحف باتجاه حجرة نومي. زوبة العزيزة (غسالتي) رفضت ابتلاع الماء ونثرته للخارج. أشمِّر أكمامي من فوق وتحت وأستعد لنزول المعركة. أطلب من صديقٍ أن يأتي بابنتي من “على الناصية”. تبتلُّ أطرافي حتى ركبتيَّ وتصعد باتجاه رقبتي.
طوال حياتي أحب الماء.. من بعيد  فقط. خدعتُ نفسي فترة غير أنني تأكدتُ أن علاقتي بالماء لا تتعدى التعارف. لا تمتزج بي ولا أحب الانسكاب داخلها.
وكأنني أغوص في بركة كبيرةٍ من الماء.. أو هكذا يهيئُ لي خيالي الخائف من الغرق. أسحبُ الممسحة التقليدية (قماشة ثقيلة تبتلع الماء كالإسفنج) لأن البلاستيكية للأسف لا تفي بالغرض. الماءُ يتناوبُ الإبحار تحت كل الأغراض. الفاكهة في الطبق البلاستيكي المتشابك، علبة الفلتر الكرتونيّ التي لم أضعها جانبًا بعد، سلة المهملات الحمراء الكبيرة، كل شيءٍ يبلع الماء ويثقل وزنه وأنا معهم أضع الممسحةَ أرضًا، أتركها تتشرب الكثير من الماءِ ثم آخذ بيدها وأعصرها وأضعها من جديد.
هلكتُ.
مفصلا يديَّ المجزوعان منذ عدة أشهرٍ يعلو صوتهما من جديد بعد عصْر الممسحة القماش بشدة للمِّ موجات الماء التي أهابُها.
تحضر ابنتي، أبدأ إعداد الطعام. الحجرة غير مرتبة، أنسى جرَّاء الأشغال المتتالية أداء صلاة الظهر. أصلي الظهر والعصر معًا وأنا حزينة. وأكمل العمل الدؤوب.. أكمل العمل الذي لا يطالبني به أحد ولا شيء منه يُنتظر أن ينتهي يومًا ما.
إذن لو أكملتُ السعي على نفس الطريقة، لن أجد أبدًا أي متسع لنفسي أو لولديَّ، أو لأنظر  لوجهي في المرآة حتى
لكن، لا يبدو أن العمل ينتهي. لا يبدو أن ملامح أو حواف ما ورائي من المهام يتناقص على الإطلاق. أفكر بطريقةٍ أخرى. أقول ربما عليَّ أن أنظر للأمر من جهةٍ أخرى. مهام البيت لا تقلُّ أبدًا. دائمًا ما تزيد، تتكاثر كالأميبا ونحن نعملُ معصوبي الأعين وندور في الساقية في دائرة لا تنتهي. إذن لا ضرورة ولا أهمية للإسراع في شيءٍ لن ينتهي على كل حال.
وإذن لو أكملتُ السعي على نفس الطريقة، لن أجد أبدًا أي متسع لنفسي أو لولديَّ، أو لأنظر  لوجهي في المرآة حتى.
نظرتُ لوجهيّ ابنيَّ وكأنني لم أرهما منذ عدة أيام رغم أنهما لم يفارقاني. عيناهما متعطشتان لي، للحديث معي، لِلَّعب، للضحك. أجري خلفهما مفتونة بملامح البراءة والرقة والجمال. أمسك بهما وأطلقهما ليركضا من جديد، يضحكان، وأضحك.
هل هكذا نفعل بأيامنا؟ نملأها بالرمال التافهة، حتى لا يتبقى مكانًا لحجر من ذلك الذي نعيش لأجله؟
لماذا ينسى المرء سبب حياته؟
وكيف تأكلنا الدنيا بما ترغب هي فيه، لا ما نرغب نحن فيه؟
كيف ننسى ونؤجل حياتنا بلا سببٍ هكذا؟
نظرتُ لوجهيّ ابنيَّ وكأنني لم أرهما منذ عدة أيام رغم أنهما لم يفارقاني. عيناهما متعطشتان لي، للحديث معي، لِلَّعب، للضحك. أجري خلفهما مفتونة بملامح البراءة والرقة والجمال. أمسك بهما وأطلقهما ليركضا من جديد، يضحكان، وأضحك.
آه، أعرف. تأخذنا الأشياء التي لا تنتهي وتخدعنا بأمل أن تنتهي يومًا ما. أن نقوم صباحًا فلا نجد علينا مسؤولية إعداد الإفطار ولا تنظيف مجلس الطعام ولا غسل الأواني أو ما نطلق عليه “وحش المواعين”. لكن هل يحدث بالفعل أن تنتهي هذه الموارد المتجددة لبذل المجهود؟ ربما في الجنة حيث نلتقي جميعًا.. أما قبل ذلك فـ.. لا أظن.
أتذكر مقالاً كنتُ قد كتبته منذ فترةٍ أذكّر فيه نفسي بالمثل الشهير بقطع الطوب والزلط والدورق الزجاجي الذي نملأه بالرمال حتى لا تبقى فيه فجوة تكفي حجرًا واحدًا. هل هكذا نفعل بأيامنا؟ نملأها بالرمال التافهة، حتى لا يتبقى مكانًا لحجر من ذلك الذي نعيش لأجله؟
في نهاية اليوم، وبعد أن لعبت مع طفليَّ قليلاً، أقرر أن أتجمل بعض الشيء وأصنع لنفسي كوبًا من الكاكاو المبهج. أضع ماسكًا اشتريته منذ زمن ولم أستعمله أبدًا. لا أدري إن كان له أي مفعول على الإطلاق، لكنني ابتهجتُ ورأيت وجهي تتسع ابتسامته. رأيته ساطعًا وأنا أتذكر إنجازات اليوم الذي امتلأ حتى حافته.
لم أتذكر المطبخ ولا الماء الذي أغرقه. تذكرتُ وجه طفليَّ وهما يضحكان ويركضان مني، تذكرتُ وجهي بعد الماسك المنعش، وتذكرتُ طعم الكاكاو في فمي.
.
.
المصدر هنا من نون*
About جليلة 94 Articles
نحن مجموعة من الكتاب والمفكرين... نسعى للارتقاء بالمحتوى العربي الموجه للمرأة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*