آخر الأخبار

محظوظ الي ربته “المدام”

واثق السفاريني 
 
في مجتمعنا، لا يلبث “الذَكَر” أن ينمو قليلا ليستطيع الأكل بمفرده وأن يعتمد على نفسه بدخول الحمام وأن يستقل قليلاً ليخرج لساعتين مع أصدقائه حتى يقتنع أن رجولته قد اكتملت وتشكلت, مانحةً اياه مرتبة الشرف المجتمعي الفخرية و”الوهمية” باعتبارها أعلى من مراتب الاناث
في مجتمعه… في مجتمعنا يحصل الرجل على رجولته بالتهكم والاستقلال عن الأنثى, مُضعفاً اياها ومتعالياً عليها.
الكتابة التي على السيارة تجسد ما سبق… صاحب السيارة كان واضحاً في النقاش الذي دار بينه وبين صاحب الصورة أن مدام عن مدام “بتفرق”. استفزتني هذه الصورة المنتشرة بين الشباب والتي يتناقلونها ساخرين على من هم “ترباية المدام”، مضيفين اليهم تسمياتهم “المضحكة” مقللين من شأنهم ومنتقصين من رجولتهم.
المشكلة أن الكثير ممن يتداولون الصورة قد نشأوا في مجتمعات تعتبر معتدلة، فيها نوع من تقدير المرأة، فالمرأة في عوائلهم تعمل و لها كيانها، ولكن المجتمع الذكوري الأوسع الذي ترعرعوا فيه كان له كما يبدو الأثر الأكبر في صقل “رجولتهم” لاعتبارهم أن “ترباية المدام” بتخليك “مش تمام” ولو حتى على سبيل المزاح.
لكن المجتمع الذكوري الأوسع الذي ترعرعوا فيه كان له كما يبدو الأثر الأكبر في صقل “رجولتهم” لاعتبارهم أن “ترباية المدام” بتخليك “مش تمام” ولو حتى على سبيل المزاح.
من منا ليس ترباية المدام؟ خاصةً في مجتمعنا الذكوري؟ ألم تقم المدام بتربيتك و العناية بك منذ نعومة أظفارك؟ ألم يجلس والدك بعيدا يسمع صراخك منتظرا “المدام” لإطعامك؟ لتحفيضك؟ لتنويمك؟ لتلعيبك؟ وغيره الكثير؟؟؟ أليست “المدام” أول من فطمك عن التبول على نفسك؟ ألم تسهر “المدام” الليالي لتعتني بك وانت محموم؟ ألم تخف من الظلمة فنمت بحضن “المدام”؟ ألم تختبئ وراءها خوفا من والدك؟
“المدام” ربتك و ربتني، و ربتنا كلنا، إلا من حرم من هذه النعمة، فبكى عليها وحن إليها، وسأل الله لماذا لم تربيني “المدام”. أتهزأ بالنعمة؟ أتهزأ بكل الجهد والضنى الذي بذلته؟ فبدلاً من أن تحمد الله على ترباية “المدام” استهزأت بها وقللت من شأنها وشأن تربيتها؟ أأعمى عقلك الذكوري بصيرتك ولم يسمح لك بالتوقف عند الصورة وأن تستذكر “المدام”؟ أما آن لك أن تحتفل برجولتك وأن تستخدمها للوقوف الى جانبها، وحمايتها والاعتزاز بها وحفظ صورتها والاعتراف بفضائلها لرد ولو جزء بسيط من جمائلها عليك؟
محظوظ من هو مثلي وربته “المدام”، التي هي أمي وزوجتي وأختي وجدتي، “المدام” سر الحياة، فبدون “المدام”، لا طعم للحياة، ولما كنت ما كنت… أعتز بترباية “المدام”، والأجدر بنا أن نعتز بها كلنا وأن نعزّ من مقدارها اليوم وهي بيننا… وأن نفكر ملياً بالأفكار الغريبة التي تطال أعز الناس لنا في غفلة وجهل منا.
لا تنتظر لأن تصبح ذكرى تذكرها, افخر بها اليوم وبتربيتها.
About جليلة 94 Articles
نحن مجموعة من الكتاب والمفكرين... نسعى للارتقاء بالمحتوى العربي الموجه للمرأة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*